Title Image

نبوءة فوق الجليد: قطعة من حرير مشغولة بخيوط من قصب

نبوءة فوق الجليد: قطعة من حرير مشغولة بخيوط من قصب

جمانة طه

لا أرمي من وراء هذه الورقة كتابة دراسة نقدية، وإنما هي مجرد انطباعات وآراء غير خاضعة لمصطلحات نقدية.

إنَّ الكتابة عن (نبوءة فوق الجليد)، تحتاج إلى لغة تُوازي جمال أشعارها وتُقارب الشجن فيها. تُماثل صدقها وصفاء حزنها، وتكون على مستوى المحبة الناظمة لعقدها. فإذا كان الفكر نابعاً من تفكير الإنسان، فإن قصائد ألبيرت جبارة تنفرط لآلىء من دقات قلبه وتنتظم قلائد من ندى مشاعره، مع ادعاءه عدم القدرة على نظم أشعار رومانسية في ظل أجواء حروب تلتهم العرب والمسلمين. وهل نصدق ادعاءه، وأمامنا قصيدة نظمها بعد معافاته بفضل الله من تعب قلبي :

القلب ليس مجرد نبض/إنه أكثر من ذلك/ إنه العين التي لا تنام/ والأذن التي تسمع الصمت/ واللسان الذي يترجم ملامح الوجه، بينما تعجز الشفاه عن قوله/ القلب طبل عندما يقرع، الروح وحدها تفهم ما يريد/. إلى أن يقول:

إذا اقترب ملاك الموت من فراشك/في الوقت الذي يحاول الجراح أن ينقذ قلبك الميت/ فلا تعجب إذا مررت بمثل هذه الحالة/فأحد الملائكة سيؤكد لك بأنك ستكون بخير/ وتذكر بأن الله أقرب إليك من حبل الوريد/.

أعود إلى الكتاب وعنوانه الذي يوحي بدلالات عديدة سواء من حيث اللغة أم من حيث المعنى، ويشي بما يمكن أن يتضمنه الكتاب أو شيئاً منه.فالعنوان كما أراه يحمل قلب الشاعر ويترك نبضه يتردد في صفحات الكتاب، يقفز بين السطور ترحاً تارة وفرحاً تارة أخرى. وإذا كان صديقه الروحي جبران خليل جبران الذي يتشارك معه في جريمة الشعر وقسوة الاغتراب قد كتب (النبي)، فإن البيرت كتب (النبوءة).وفي جميع الأحوال لا هادي لي إلا القصائد التي قرأتها بشغف مع أنها مكتوبة بالإنكليزية التي أحوجتني للعودة إلى القاموس مراراً. فهذه النصوص تضعك امام مغامرة وجود تأسرك تفاصيلها، حتى تجد أنك معها وإن اختلفت عنها.

اشتغل الشاعر نصوصه الراشدة بأحاسيس الطفل الذي خبأ أشعاره تحت فرشته في لبنان، وبواقعية المغترب الذي رأى في التراث الروحي منجى له من غربة جليدية. فمن يقرأ الديوان، يلحظ تماهي الذات (الألبيرية) مع كل حرف كُتب فيه، عن نشأة البشر وظهور الأنبياء، وعن العواصف السياسية والاجتماعية التي تمسك بتلابيب الأوطان العربية والعالم. ترسم أشعاره ملامحه كمسلم مؤمن بكل ما أرسل الله من أديان مع أن جراحه لن تندمل إلا مع معرفة الحقيقة الواحدة، وكعربي من لبنان وفلسطين والعراق وسورية.

في أشعاره صرخة روح تعبر عن بشاعة الحروب وعن ضراوة الأذى الزاحف على البيئة، وكليهما من صنع الإنسان الذي استخدم قدرته الفكرية والجسدية في تدمير الأرض وفي تشويه الطبيعة وإشعال الحروب.

لفتني في القصائد تدفق اللغة وحرارة التعبير، ومقدرة الشاعر على الإمساك بالفكرة مهما تطاول نصه وكثرت سطوره. واستوقفني اندساس الطفولة في أشعاره بوصفها مرحلة يختزنها قلبه قبل عقله. فذكرياته عن طفولته مذبوحة يتماً بسبب وفاة والده، وركوبه وهو الطفل أمواج المحيط مع أمه وأخيه وأخته إلى عالم سيكون فيه غريب الوجه واليد واللسان. واستنفرت طفولته الضائعة حزني وأبكت عيني، وكنتُ أظنُّ أنني وحدي نبتة في حقول الأحزان.!

كانت طفولة ألبيرت وهجرته هما محورا القصائد، وإن حاول ألاّ يكونا كذلك. فكما أن غربته في وطنه الثاني لم تندثر برغم مرور السنين، كذلك هي وفاة والده التي ما تزال جرحاً ينزُّ في قلبه الشجي ونفسه الرهيفة. فلولا هذا الفقد العظيم لما رماه القدر على الطرف الآخر من العالم، ولما اضطرت طفولته أن تغيب تحت حمل أعباء الأسرة وإعالتها.وهذان الأمران: الطفولة والهجرة، جعلاه يكرر معاناته في معظم قصائده، ويفيض ألمه في كل قصيدة ومن كل سطر فيها. فهو لم يستطع أن يحرر ذهنه من لحظة خروجه من المرفأ في بيروت، باتجاه مرفأ هالي فاكسHalifax. لهذا حرص على ترجمة تلك المرحلة شعراً، واستذكار خطواته الأولى في وطنه الثاني التي بدأت متعثرة تعبة وتعسة. وبفضل الإيمان والإرادة والصدق والاستقامة التي جاء على ذكرها في قصيدتيه لابنيه عمر ومحمد، تمكن من أن يحقق إنسانيته ويؤكد حضوره في البلد المختلف والمجتمع المختلف ومع أصدقاء مختلفين.

عندما ركب ألبيرت السفينة، انشطرت روحه نصفين/وقلبه غادر/ وصدره صار ينبض مرة ويتوقف مرة أخرى/ وفي لحظة الإبحار/ عاد كل شيء إلى طبيعته.
في أثناء مغادرته لبنان لم يكتف ألبيرت بحمل قريته ووصية والده له: الإسلام دينك والعربية ثقافتك والشعر سيفك من لبنان إلى هالي فاكس، بل حمل معه أيضاً حلمه الشعري الذي كان يخبئه تحت وسادته قبل أن ينام. فلم تقو صعوبة الحياة في كندا على أن تنسيه القرية والوصية وحلمه الشعري، فاختزن القرية والوصية في فكره وبين جوانحه، وتمسك بحلمه حياً ليقينه أنه الرافعة لإنسانيته وكينونته، والمعبِّر عن رؤاه ومعتقداته.

إنَّ تجاربه المريرة في المغترب ساعدت في ترسخيه شاعراً، فغذت فضوله ومنحته التصميم على إخراج مكنوناته من حالة الكمون إلى فضاء الإبداع وضوء الحياة.

إنه يكتب بذاتية تستدعي أفكاره بعفوية، ويتحرك في نصوصه بحرية تترك القلم يجري به حيث يريد، فاتحاً له خزائن الإبداع والثقافة لينتقي ويختار. ما يجعلنا نميل إلى القول إن الكتاب عبارة عن نص شعري واحد، وإن توازعته أرقام مختلفة. وإن الذاتية والحرية في الكتابة، منحتا كلماته طلاوة وانسيابية يصح وصفها بالسهل الممتنع. لكنهما في المقابل ذهبتا بنا إلى الاعتقاد بأنَّ الشاعر لم يكابد قلق الشعر وصعوبة مخاضه، مع يقيني بأنه كتب ومحا ونقَّح وصحح مراراً قبل أن يدفع بأشعاره إلى الطباعة والنشر.

يطول الشعر بنا مشوار، والنهاية ما تزال بعيدة. وأظن أن ألبيرت ترك الباب مفتوحاً لنا ليستمر تحليقنا مع أحاسيسه، ولنتفيأ جليد اغترابه ونعيش في فضاء طيوره حروفاً من حب ووطن.

لا بد لي من الإشارة إلى أن تداخل بعض الأجناس الأدبية في القصائد، أبعد الشعر في بعض الأماكن عن فضائه وأضفى عليها نوعاً من الإنشائية الخطابية.

لكن هذا لا يبخس الشاعر حقه في التجلي والتألق، ويكفيه تميزاً أنه حقق بقصائده مصالحة مع نفسه، وشكل لنفسه من خلالها امتداداً إنسانياً عزز عنده خصال المحبة والإيثار نحو أهله وانتزعه من يتم طفولته.

عزيزي عبد اللطيف (ألبيرت)

لقد تمكنت قصائدك من قلبي، وأمسكت بنبضه لكي لا يفر. إنها مشغولة بدربة حائك، لا تفوته غرزة ولا يفلت منه خيط. وبذوق فنان، تطيعه الألوان وتهفو إليه الزخارف. إنَّها حقاً كنزٌ ذهبي.

The free download will take you on a journey, unlike other reads you have experienced.